نورالهدى فؤاد
أثار مسلسل «طالع نازل» الجدل منذ حلقاته الأولى وصولا للحلقة السادسة لحظة كتابة هذا المقال وقبل حتى اكتماله، إذ يستخدم المسلسل حكاية مألوفة عن الحب والخيانة والانتقام، لكنه يقدمها بطريقة أكثر هدوءا ودقة من المعتاد، ويدخل إلى دوافع الشخصيات ومشاعرها المتناقضة بدلاً من أن يوزعها بسهولة بين أبطال وأشرار.
انقسم الجمهور حول انتقام نورا ما بين التعاطف والرفض والاستنكار، وتركزت التعليقات حول استهجان فكرة الانتقام إلى حد اتهام العمل بالدعوة له، رغم أن انتقامها ناعم وبطيء وغير مباشر. وهذه مفارقة لافتة، لأن الدراما المصرية كرست، لأكثر من عشرين عاما، لفكرة الانتقام كتيمة رئيسية، بل صارت عنصر جذب رئيسي لشريحة كبيرة من الجمهور. وهو أحد أسباب نجاح وجماهيرية المخرج محمد سامي وأعماله الانتقامية الملحمية، التي تجعل من المظلوم المنتقم بطلا محبوبا، ومن رحلة استرداد الحق فرجة جماهيرية ذات عناصر تشويق وإثارة.
لكن الجمهور لا يرفض الانتقام ذاته بقدر ما يرفض شكله حين تأتي به امرأة. فالانتقام الذكوري الحاد، القائم على العنف، واضح ومعلن؛ نعرف من بدأه، ومن يستهدفه، ومتى تنتهي المواجهة. وغالبا ما تمنحه الدراما تفسيرا جاهزا بوصفه استردادا للكرامة أو فرضا للهيبة. أما انتقام نورا فلا يمنحنا هذه الراحة. لا يأتي في صورة ضربة واحدة أو مواجهة صاخبة أو لحظة انتصار يمكن التصفيق لها. بل يتشكل تدريجيا داخل العلاقة، مستفيدا من معرفتها بعلي وعاداته وأسراره ونقاط ضعفه. لا تحتاج نورا إلى قوة جسدية أكبر منه؛ يكفي أنها تعرفه جيدا، وتعرف كيف تحول التفاصيل التي كانت طوال سنوات في خدمته إلى أدوات ضده.
لهذا يبدو انتقامها مخيفا أكثر من الانتقام الذكوري الحاد، لا لأنه أكثر عنفا، بل لأنه يحدث من الداخل. إنه يستخدم المساحة الحميمة التي كانت مصدر أمان الرجل. العنف المباشر يفرغ غضبه في لحظة، أما الانتقام الناعم فيبقي الخصم داخل حالة من الشك: هل ما يحدث عشوائي أم مخطط؟ هل صمتها تراجع أم سيطرة؟ هل تبدو هادئة لأنها تجاوزت ما حدث، أم لأنها تعرف بالضبط أين ستضرب؟
المشكلة أن المجتمع لا يمنح المرأة مساحة ثالثة بين الانهيار والانتقام. إما أن تصرخ فتتهم بالهستيريا، أو تصمت وتحول غضبها إلى خطة. أما المساحة الأكثر صحة، فهي أن تعبر عن غضبها بوضوح، وتضع حدودا، وتطالب بحقوقها، وتنهي العلاقة إن أرادت، من دون تدمير الطرف الآخر أو تدمير نفسها، والجدير بالذكر هنا أن نورا بالرغم من سلوكياتها الانتقامية الواضحة، لا توضح نية مؤكدة بأن تلك السلوكيات مرتبة في خطة واضحة، وإنما تبدو في الغالب نمطا غير ثابت من التعبير عن الغضب المكتوم، الذي يتأرجح في ذهنها مع الرغبة في الفوز على غريمتها وعودة حياتها المستقرة لسابقة عهدها، وكأن العنوان يحدثنا عن رغبتها في الانتقام كلية فهو غير ثابت وطالع نازل.
من جانب آخر، ينسف «طالع نازل» فكرة أن المرأة المطيعة هي الزوجة الناجحة. فنورا جعلت زوجها أولوية على نفسها في كل شيء، حتى حقها في الأمومة. كان علي مشروع حياتها؛ دعمته وقوته ومهدت له سبل النجاح، وكرست نفسها لراحته وخدمته ومزاجه. لكنها تكتشف في النهاية أن هذا الدور لم يضمن لها الحب أو الوفاء، ولا جعلها زوجة لا يمكن الاستغناء عنها.
وانتقام نورا والجدل حوله ينفيان، من دون قصد، الصورة التقليدية عن المرأة العصبية والانفعالية بوصفها مخيفة أو شريرة. فبينما تبدو نورا النموذج الطيب والأبسط في نظر الكثير من الرجال، لكنها تكشف أن هدوئها يخفي قدرا هائلا من الدهاء والحيلة، وأن الانفعال والغضب الأنثوي المعتاد الذي غالبا ما يرفضه الرجال هو عين الطيبة.
ولعل التركيز المتكرر على نبذ انتقام نورا يحمل اعترافا ضمنيا بأنها تملك دوافع حقيقية مبررة للانتقام. والتحذير منه لا يأتي لأنها صاخبة أو عنيفة، بل لأنها هادئة وتعرف أين تضرب. فالمجتمع يستطيع أن يصف المرأة التي تصرخ بأنها عصبية أو فاقدة للسيطرة، لكنه يرتبك أمام امرأة غاضبة وواعية في الوقت نفسه.
وبينما يرجع منهج نورا حول الزواج إلى عقدة مرتبطة بوالدتها، لكنهما تمثلان وجهي الازدواجية الشائعة عند الرجال، إذ تمثل الأم نموذج المرأة المحبطة للرجل وطموحه وأحلامه، والتي تضمن سيطرتها عليه من خلال التحجيم والأولاد وأعباء الحياة. لذلك تريد نورا أن تكون نقيضها: لا تعوق علي، ولا تثقله، ولا تجعله يشعر بأنه ضحى من أجل الأسرة.
لكنها، وهي تهرب من صورة الأم، تذهب إلى الطرف الآخر تماما. فإن نورا تمثل امرأة تمنحه كل شيء ولا تطلب شيئا تقريبا. ولذلك أعتبر نورا هي نسخة عصرية لنموذج شخصية «روقة» الشهيرة. فهي ليست امرأة ضعيفة أو محاصرة داخل البيت، بل سيدة أعمال ومديرة محترفة. ومع ذلك، سخرت وجودها بالكامل في اتجاه واحد: اتجاه الرجل. كانت تدير عمله، وتحمي صورته، وتفاوض باسمه، وتعيد ترتيب حياته. بدت قوية أمام العالم، لكنها وضعت قوتها داخل العلاقة في خدمة الزوج. والأقسى أنه لا يتركها لأنها فشلت في أداء دور الزوجة، بل يتركها رغم نجاحها الكامل فيه بالمنظور المجتمعي للزوجة المثالية. يترك المرأة التي وفرت له الأمان والتقدم، ويتجه إلى أخرى تمنحه، في نظره، الشغف والدلال والأبوة. كأن نورا أدت دور «روقة» بنجاح كامل، فاكتشفت أن هذا الدور يحولها إلى وظيفة الأم في حياة الرجل، لا إلى امرأة يحبها ويرغب فيها. ولذلك تبدوان الأم وابنتها نموذجين متناقضين من الزوجات، وبالرغم من ذلك يبدوان نماذج فاشلة في الحفاظ على حياة أسرية سعيدة ومستقرة.
تقدم منى زكي أداء قائما على الانفعالات المكتومة. وهذه منطقة تحتاج إلى ممثلة محترفة تستطيع أن تخلط بين الهدوء والغضب، وبين السيطرة والتحكم في الاثنين معا. كل عضلة في وجهها تحت السيطرة: جز غير مكتمل على الأسنان، أو نصف جزة، أو نصف رفعة حاجب، أو نصف تشنج في الشفتين، فيما تعمل عضلات العينين والخدين على إنتاج نظرات تجمع بين غضب صارخ ولا مبالاة في اللحظة نفسها.
وبخاصة في مشاهدها مع محمد شاهين، تسمح نورا لغضبها بالظهور بجرعات محسوبة. تترك علي غير قادر على معرفة ما إذا كانت فقدت السيطرة أم توحي بذلك لتتحكم فيه. منى لا تلعبها باعتبارها امرأة باردة، بل باعتبارها امرأة تبذل جهدا كي تبدو باردة. البرود حالة، أما كتمان الانفعال فهو فعل مستمر.
يشبه أداء منى طبيعة انتقام نورا. لا صرخة كاملة، ولا ابتسامة كاملة، ولا غضب يصل إلى نهايته. كل شيء نصف معلن ونصف مخفي. نرى الغضب في العضلات قبل أن نسمعه في الحوار، ونرى السيطرة طبقة فوق الانهيار، لا نقيضا له.
أداء محمد شاهين سلس ومريح ومقنع. ورغم أنه رأس الصراع في المثلث بين امرأتين، فإن حضوره متوازن. لا هو لافت ومثير لأعصاب المتفرج وانتباهه كما هي نورا، ولا هو غائب أو متوقع أو مجرد عنصر مسلم بوجوده. هو بطل ومؤثر وحاضر، لكن حضوره لا يسلب نورا المساحة التي تستحقها بوصفها بطلة القصة.
لا يلعب شاهين علي باعتباره بطلا ذكوريا يستولي على الحكاية، بل باعتباره مركزا للصراع يظل محكوما بمركزية نورا. ينتقل بسلاسة بين الدفاع عن نفسه، والتقليل من ألمها، والاعتذار، ثم العودة إلى أنانيته القديمة. لذلك لا يبدو استعراضيا، لكنه يظل مؤثرا.
الشخصيات الرئيسية الثلاثة بشرية من لحم ودم. دوافعها متداخلة، لذلك لا يمكن وصف أحدهم بالأناني الكامل أو الشرير المطلق. لدى الجميع جوانب جيدة، حتى في لحظات الأنانية. لا يعني ذلك مساواة الجميع أخلاقيا، ولا أن الخيانة والانتقام فعلان متماثلان، لكنه يعني أن فهم الدوافع ليس تبريرا لها.
لهذا لا يختزل المسلسل الحكاية في زوجة أولى مظلومة وزوجة ثانية شريرة. نحن أمام ثلاث حاجات متصادمة: حاجة نورا إلى الاعتراف بما خسرته، وحاجة علي إلى الاحتفاظ بكل وجوه حياته، وحاجة مي إلى علاقة معلنة ومستقرة. لا يستطيع الثلاثة الحصول على ما يريدون من دون أن يدفع طرف آخر الثمن.
أما الشخصيات الجانبية، فعلى الرغم من فاعليتها في تحريك الأحداث وتقديم أنماط واقعية واستكمال صورة الأسرة بصراعاتها التقليدية، فإنها تبدو أقرب إلى الداخلين على الخط الرئيسي لمثلث الحكاية. لقد أضافت عمقا وواقعية، لكن الخط الرئيسي أقوى تأثيرا وتشويقا بفارق حاد. كلما ابتعد المسلسل عن نورا وعلي ومي، دخل منطقة جانبية أقل توترا.
بالرغم من ذلك، تظهر جودة الكتابة في الحوار الذكي وانتقاء الردود. الشخصيات لا تقول كل ما تفكر فيه، ولا تشرح مشاعرها مباشرة. يمر الصراع عبر ما يحذف من الجملة، وما يتأخر الرد عليه، وما يقال بمعنى ويستقبل بمعنى آخر.
ولعل أمتع مشاهد الحوار هي مشاهد «البينج بونج»، وفي مقدمتها مشهد العشاء الثلاثي. يتحول اللقاء إلى اختبار للأعصاب ومباراة في السيطرة. تنتقل الجملة بينهم مثل كرة بينج بونج: جملة عادية تصيب منطقة حساسة، ورد هادئ يعيد ترتيب القوة، وصمت أو ابتسامة يكملان ما عجز الكلام عن قوله. لا يشرح الحوار الخيانة، بل يجعلها حاضرة في طريقة الكلام وفي محاولات الشخصيات إخفاء ما تعرفه.
يذكرنا «طالع نازل» بمسلسل «نعمة الأفوكاتو» في ثيمة الحب والانتقام، لكن مع فارق شاسع في الجودة والتأثير النفسي العميق والتناول الدقيق لصراع المشاعر الداخلية. قد تبدو القصتان متشابهتين، لكن طريقة السرد تشبه الفرق بين الفرح البلدي والفرح في فندق خمس نجوم.
«نعمة الأفوكاتو» عمل شعبي، صوت عال، ألوان كثيرة، حركة مستمرة، مشاجرات، مفاجآت، فضائح وانتصارات متتالية. الانتقام هناك عرض جماهيري، والبطلة تدخل المواجهة وهي تعرف أن الجمهور ينتظر تصفيقه. نعمة تنتقم أمام الناس، بينما تنتقم نورا داخل المساحات المغلقة وبأفعال صغيرة لا يقل أثرها النفسي.
ربما لا تكمن قوة نورا في أنها عرفت كيف تنتقم، بل في أنها كشفت الثمن الذي تدفعه المرأة حين تجعل الرجل مشروع حياتها الوحيد، ثم تكتشف أن حياتها نفسها لم تكن مشروعا مشتركا كما ظنت. «نعمة الأفوكاتو» تحول الخيانة إلى معركة تنتصر فيها البطلة، أما «طالع نازل» فيحولها إلى تشريح بطيء لعلاقة لم يعد أي طرف فيها قادرا على العودة إلى صورته القديمة.
في «نعمة الأفوكاتو» تتحول المهنة إلى منصة بطولة، أما نورا فتستخدم مهنتها لهدم ما سبق وأسسته. وزوج نعمة خصم واضح وسهل الكراهية، بينما علي ليس وحشا كاملا. هو أناني ومراوغ، لكنه قادر على الحنان والاحتياج والاعتذار. لذلك تنتقم نورا من رجل أحبته وساهمت في نجاحه، ولا تزال ترى فيه جزءا من الشخص الذي عرفته.
قد تبدو نورا قريبة من الشخصية التي قدمتها مي عز الدين في مسلسل «خيط حرير». كلتاهما تنتقمان ببطء وبرود، لكن برود بطلة «خيط حرير» كان يخفي انتقاما عنيفا وحادا تخبئه الأحداث. كانت تختفي وتعيد بناء قوتها، ثم تعود وهي مستعدة للحرب.
أما نورا، فانتقامها مختلف. هي لا تنتظر حتى تصبح امرأة أخرى، ولا تخرج من العلاقة كي تعود أقوى. تنتقم وهي لا تزال داخل العلاقة، ولا تزال تؤدي وظائف الزوجة ومديرة الأعمال. كل ما كانت تستخدمه لحماية علي يتحول إلى أداة ضده: معرفتها بمواعيده وعمله وعلاقاته ونقاط ضعفه. هي لا تكتسب سلطة جديدة، بل تعيد توجيه السلطة التي كانت تملكها أصلا.
قوة «طالع نازل» لا تأتي من الخيانة أو من رغبة نورا في الانتقام فقط، بل من رفضه توزيع الشخصيات على خانات أخلاقية جاهزة. لا توجد زوجة مثالية تضمن لنفسها الحب، ولا زوجة ثانية شريرة بالكامل، ولا رجل خائن يخلو من كل مشاعر، ولا انتقام يمكن تبريره أو إدانته نهائيا، إنه لا يطلب منا اختيارا سهلا بين التعاطف والإدانة. يمكن أن نفهم دوافعها من دون أن نبرر أفعالها كلها، ويمكن أن نتعاطف معها من دون أن نعتبرها بريئة من أثر ما تفعله.
يطرح المسلسل سؤالا على الرجال بالمقام الأول: هل خوف النساء على مستقبلهن، وتمسكهن بحقوقهن الكاملة، ورغبتهن في العمل وتحقيق طموحهن وتأمين حياتهن، يعد أنانية؟
كما يضعنا العمل أمام معضلة واضحة: هل الانتقام المبرر جائز؟
«طالع نازل» مسلسل مصري قصير من عشر حلقات، بطولة منى زكي ومحمد شاهين ومريم الخشت، إلى جانب ميمي جمال وليلى عز العرب وحمزة دياب، مع ظهور ريهام عبد الغفور ضيفة شرف. كتبت العمل سماء أحمد عبد الخالق وإنجي القاسم، وأخرجه هاني خليفة، ويعرض عبر منصة «شاهد» التابعة لـMBC. تدور الأحداث حول موسيقار يعيش حياة تبدو مستقرة مع زوجته، سيدة الأعمال التي تدير أعماله، قبل أن تكتشف زواجه سرا من امرأة أخرى وحملها منه. وبوصوله إلى الحلقة الخامسة، يكون المسلسل قد أثار أسئلته وفرضياته الأساسية من دون أن يقدم نتائج نهائية: هل تنقذ نورا نفسها من العلاقة، أم تظل عالقة فيها من خلال الانتقام؟
التعليقات
سجّل الدخول للإعجاب أو الحفظ
سجّل الدخول للمشاركة في النقاشلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه.