مصطفى الكيلاني
شاهدت في مهرجان الجونة فيلم "عودة كابتن كابونجا"، وهو الفيلم الثاني للمخرج أمير الشناوي، بعد فيلمه الوثائقي الرائع "الكيلو 64"، الذي قدم فيه حكاية أخيه "وائل" ومحاولته استصلاح أرض على طريق القاهرة–الإسكندرية الصحراوي، وما واجهه من عقبات وإخفاقات. تميز الفيلم بقدرته على تحويل تجربة شخصية ومحدودة المكان إلى حكاية عن الطموح والعمل وما يواجه الإنسان من واقع يصعب ترويضه. عرض "الكيلو 64" للمرة الأولى في مهرجان القاهرة السينمائي عام 2018، وفاز بجائزة أفضل فيلم عمل أول في المهرجان القومي للسينما المصرية.
ولأننا وقعنا في حب كاميرا أمير الشناوي توقعنا الكثير في فيلمه الثاني، ولكن أزمة "كابونجا" تبدأ معنا حين نتوه من الفيلم ونحن لا نعرف أصلا ما الذي نشاهده. هل هو عن كابتن كابونجا، الرجل الذي يصارع الحياة ويتدبر رزقه يوما بيوم؟ أم عن رحلته القصيرة إلى الإمارات؟ أم عن حضوره احتفالات سياسية ومؤتمرات انتخابية؟ أو عن بحثه عن الإعلانات على السوشيال ميديا.. تتجاور هذه الخيوط من دون أن تتماسك، فيصعب على المشاهد أن يجد مدخلا إلى الحكاية أو أن يفهم ما الذي يريد الفيلم قوله.
لذلك لا تبدو عبارة "لماذا لم يعد كابونجا؟" سؤالا عن مصير بطل غاب ثم رجع. إنها سؤال عن فيلم لم يمنحنا رحلة واضحة إلى حياة كابونجا، ولم يقترب منه بما يكفي حتى نشعر بغيابه أو عودته. أين ذهب؟ ولماذا تاه في فيلمه؟
أين ذهب كابونجا؟
ليس هذا الفيلم عودة لكابتن كابونجا، لأن السؤال البسيط الذي يفترض أن يجيب عنه.. أين ذهب كابونجا؟ لا يجد إجابة واضحة. بل إن الفيلم لا يمنحنا ما يكفي لنشعر بأنه ذهب أصلا، حتى ننتظر عودته.
يرافقنا الفيلم في رحلة كابونجا بعد بيع حلبته لتجار الخردة، ثم يزاحمها بتفاصيل عن احتفالات سياسية ومؤتمرات انتخابية لدعم الرئيس أو غيره، ومؤتمرات أحزاب سياسية. لكن هذه المشاهد لا تبدو متصلة بخط الفيلم، ولا تساعدنا على فهم كابونجا أو رحلته. تظل معلقة داخل العمل، كأنها جاءت من فيلم آخر.
المفارقة أن حياة كابونجا نفسها مليئة بما يستحق أن يروى. هناك خفة دمه، وعلاقته بزوجتيه، وحب كل واحدة منهما له. وفي صورة تكريمه بالعاصمة الإدارية، تقف الزوجتان معا، وتضع كل منهما يدها على الأخرى؛ لقطة تكشف عن علاقة إنسانية لافتة، من دون افتعال صراع أو البحث عن مشكلة غير موجودة. وهناك أطفاله، وعلاقته بأمه، والناس الذين يحيطون به، وربما إخوته الذين لا نراهم أصلا. هذه تفاصيل قادرة على صنع فيلم حي، قريب من بطله، لكنها لا تأخذ مساحتها.
بدلا من ذلك، تتكدس في الفيلم أمور لا تعرفنا بكابونجا ولا تكشف شيئا حقيقيا عنه. ومع تراكمها يتراجع الإيقاع، ثم يختفي تماما في مواضع كثيرة. لا نخرج بصورة أوضح عن الرجل، ولا بإحساس أننا اقتربنا من حكايته.
يبدو أن رغبة المخرج في اتخاذ موقف سياسي تتدخل في مسار الفيلم، لكن هذا الموقف نفسه يظل غامضا. هل يرى أن مشاركة كابونجا في المؤتمرات والأحزاب أمر خاطئ؟ هل يؤيدها؟ أم يريد أن يعرضها من دون حكم، تاركا للمشاهد أن يكون رأيه؟ لا يمنحنا الفيلم ما يكفي لنعرف. وحتى لو كان المقصود تقديم موقف محايد، فالمشاهد لا ترتب بما يجعلها فكرة واضحة أو زاوية نظر يمكن فهمها.
كان يمكن للفيلم أن يختلف مع اختيارات كابونجا، أو أن يكتفي بمراقبتها، أو أن يتركها مفتوحة للنقاش. لكنه لا يفعل هذا ولا ذاك؛ يضعها أمامنا ثم يبتعد عنها، من دون أن يربطها بحكايته.
لماذا تاه كابونجا؟
كابونجا شخصية وثائقية جاهزة لفيلم؛ ليس لأنه بطل خارق أو لأن حياته تحتاج إلى بطولة مكتوبة، بل لأنه يصارع الحياة وتصارعه. لا يملك دخلا ثابتا، ويعيش على الهامش، ويحاول أن يجد طريقا للرزق بما هو متاح له. حتى تحديات تيك توك، حيث ينتظر هدية مثل وردة أو أسد، ليست تفصيلة عابرة في حكايته؛ إنها جزء من الطريقة التي يتدبر بها يومه، ومن شكل العمل والرزق في عالم صار فيه الانتباه نفسه مصدر دخل.
لكن الفيلم لا يقترب بما يكفي من هذه الحكاية. لا يتوقف عند يوم كابونجا العادي كيف يبدأ؟ كيف يكسب؟ ماذا يفعل حين لا يأتيه رزق؟ ماذا تعني له الهدايا التي ينتظرها، وما الذي يراه الناس فيه حين يدخل تحديا على تيك توك؟ هذه الأسئلة كان يمكن أن تقود الفيلم إلى حياة صاحبه، بدلا من أن يبقى مشتتا بين محطات ومناسبات لا تكشف لنا من هو.
هناك أفلام وثائقية كثيرة اختارت أن تقترب من أشخاص كهؤلاء، لا لأنهم رياضيون أو مشاهير، بل لأن تفاصيل عيشهم تستحق أن ترى. هذه الأفلام لا تحتاج أن يكون أبطالها أصحاب إنجازات استثنائية. يكفي أن تراقب كيف يعملون، وكيف يواجهون ضيق الحال، وما الذي يمنح أيامهم معناها. وكان يمكن لفيلم كابونجا أن يفعل الشيء نفسه.. أن يرافقه في تفاصيل الحياة، وأن يرى خفة دمه لا بوصفها صفة لطيفة فحسب، بل طريقة يعيش بها ويتواصل مع الناس ويواجه بها صعوبة يومه.
وحين يفعل الفيلم ذلك، تصبح التفاصيل الصغيرة هي الحكاية. علاقة كابونجا بأمه، وأطفاله، والناس حوله، وزوجتاه اللتان تحبانه وتظهران معا في صورة تكريمه، من دون افتعال خصومة بينهما. هذه مادة إنسانية ثرية، وكان يمكن أن تمنحنا صورة أعمق عن الرجل الذي جاء الفيلم من أجله.
لكننا لا نرى هذه الحياة بما يكفي. نرى بدلا منها تفاصيل كثيرة لا تقربنا من كابونجا ولا تكشف حقيقة يومه، فتفقد الحكاية مركزها ويتعثر الإيقاع. وهنا يضيع كابونجا في فيلمه: لا لأن حياته فقيرة بالتفاصيل، بل لأن الفيلم لا يعرف أي تفاصيل يختار، ولا كيف يجعلها تقودنا إليه.
وحينما يغيب الإيقاع ونتوه في الفيلم ويبدأ من حولنا في النظر إلى هواتفهم.. أتذكر أحد ألطف مشاهد الفيلم حينما يتحاور مخرج إعلان كشري أبوطارق مع المونتير ويطلب منه اتباع "سياسة الكشري في المونتاج".
لا يبدو أن كابونجا ذهب ثم عاد. الفيلم لم يأخذنا في رحلة نفهم منها ما الذي تغير فيه، ولم يقترب بما يكفي من حياته كي نشعر بعودته. فكان ما كنا نخاف منه.. أنه أصلا كابونجا لم يذهب ولم يعد.
التعليقات
سجّل الدخول للإعجاب أو الحفظ
سجّل الدخول للمشاركة في النقاشلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه.