مصطفى الكيلاني

لا يحتاج الفنان إلى إذن من أحد كي يتخيل. لكن هذا الحق البديهي يصبح موضع جدل كلما قرر فنان أن يخرج عن الصورة التي اعتادها الجمهور، أو اقترب من منطقة يراها البعض محرمة باسم الذوق العام، أو يضعها آخرون تحت سلطة تفسير واحد للدين.

منى زكي تبتسم مرتدية فستاناً أبيض ونظارة شمسية في مهرجان الجونة السينمائي
منى زكي خلال مشاركتها في مهرجان الجونة السينمائي

في ندوة منى زكي بمهرجان الجونة، لم يكن الخوف فكرة تتحدث عنها من بعيد. كان حاضرًا في نبرة صوتها، يرتعش أحيانًا وهي تستعيد ما مرت به، حتى شعرنا أنها تقاوم رغبة حقيقية في البكاء. قالت إن الخوف يسكنها، وإنها لو لم تكن في صراع معه لما استطاعت أن تقدم شيئًا. لم تحاول أن تبدو أقوى مما هي عليه؛ تركت لنا أن نرى كم يمكن أن يكون الفنان الحقيقي "هشًّا" وهو يختار أن يواصل الطريق.

جمهور يتابع ندوة منى زكي على مسرح مفتوح في مهرجان الجونة السينمائي
جانب من الحضور خلال ندوة الفنانة منى زكي في مهرجان الجونة

وحين تحدثت عن التمثيل، بدا واضحًا أن ما يدفعها إلى الاستمرار هو ذلك العالم الذي يخلقه الفنان بخياله، ويدخله بكامل مشاعره. في تلك المساحة، لا يكون الدور مجرد كلمات تؤديها أمام الكاميرا، بل حياة أخرى تحاول أن تكتشفها وتصدقها. لهذا بدا كلامها عن الخوف متصلًا بكلامها عن الفن، فالفنان لا يتخلص من خوفه كي يجرب، لكنه يحتاج إلى ألا يترك الخوف يختار عنه. وما يؤلم في الهجوم على تجربة مثل فيلم «الست» أن الفنانة، بعد كل ما بذلته لتدخل عالمًا جديدًا، قد تجد نفسها مضطرة إلى الدفاع عن حقها في أن تحلم به أصلاً.

منى زكي تتحدث ممسكة بالميكروفون أثناء ندوتها بمهرجان الجونة
منى زكي متحدثة عن مسيرتها وتجربتها الفنية في مهرجان الجونة

الخوف الذي أصبح يتملكنا نحن أيضًا حين نكتب، حين نخبئ الكلمات بعلامات في فيسبوك حتى لا تكتشفها الخوارزميات فتحظرنا لشهور، لأننا فقط حاولنا أن نتحدث بصراحة، أن نبدي رأينا فيما حولنا، فيما يؤثر بشكل مباشر على حياتنا ومستقبلنا.. حين نراجع مقالاتنا عدة مرات حتى لا يغضب الصديق الفلاني أو البلد العلاني.. نحن أيضًا يتملكنا الخوف.

الإبداع لا يعمل بهذه الطريقة. لا يبدأ من قائمة المسموح والممنوع، ولا يتقدم إذا ظل المبدع يستأذن المجتمع قبل كل اختيار. وظيفة الخيال أن يذهب إلى أماكن لم نعتدها، وأن يختبر صورًا وأفكارًا وشخصيات قد تقلقنا أو تختلف مع ما نعرفه. أما تحويل القلق إلى وصاية، والاختلاف إلى اتهام، فليس هذا دفاعًا عن الذوق، بل محاولة لتحجيم الفن.

ما حدث مع منى زكي بعد الإعلان عن فيلم «الست» يوضح جانبًا من هذه الأزمة. قبل أن يشاهد كثيرون الفيلم، صدرت أحكام على اختيارها لتجسيد أم كلثوم، وعلى شكلها في الشخصية، وعلى مدى شبهها بها. ومن حق أي مشاهد أن يناقش هذه الاختيارات بعد مشاهدة العمل، لكن الحكم على التجربة قبل اكتمالها يكشف استعدادًا لمحاسبة الفنان على مجرد المحاولة.

لا يتعلق الأمر هنا بالدفاع عن الفيلم أو عن أداء منى زكي. قد ينجح العمل وقد يتعثر، وقد تكون هناك ملاحظات حقيقية على المكياج أو الأداء أو الرؤية. هذه كلها أمور تخص النقد الفني، ولا يصح أن نخلط بينها وبين حق الفنانة في خوض التجربة. فالنقد يناقش ما أنجزه الفيلم، أما الوصاية فتحاول أن تمنع الفنان من الاقتراب من الفكرة أصلاً.

والفنان، بطبيعته، يحتاج إلى التجريب. لا يمكن لممثل أن يظل يعيد الشخصية نفسها في كل عمل، ولا أن يقيس كل اختيار جديد بما حققه اختياره السابق. لو فعل ذلك، فلن يتطور، وستتحول نجاحاته إلى "قيد" يطالبه الجمهور بألا يغادره. التجربة قد تصيب وقد تخطئ، لكن من دونها لا توجد فرصة لاكتشاف أداء مختلف أو شخصية جديدة أو أفق لم يصل إليه الفنان من قبل.

نور الشريف فهم هذه المسألة مبكرًا. وله عدة تصريحات حول الخيال وحق الفنان في التجريب.. وهو لم يكن يبحث عن الدور الآمن أو المضمون، بل عن الشخصية التي تضعه أمام اختبار جديد.

منى زكي والمحاور يجلسان على مقاعد بيضاء على خشبة مسرح مفتوح خلال الندوة الحوارية
منى زكي خلال جلستها الحوارية على منصة مهرجان الجونة السينمائي

هذه ليست دعوة إلى إعفاء الفن من النقد، ولا إلى تجاهل حساسية الجمهور. لكنها تذكير بأن وجود التقاليد أو ما يسمى "الذوق العام" في المجتمع لا يعني أن يتحول إلى أداة رقابة على الخيال، وأن احترام الذوق العام لا يعني اختزال الفن فيما لا يزعج أحدًا. فما الذي يبقى للفنان إذا كان عليه أن يختار فقط ما يوافق توقعات الجزء الأكثر تحفظًا في المجتمع؟

وأي معنى للتجديد إذا كان المطلوب منه أن يغير الشكل من دون أن يقترب من أي فكرة مقلقة؟

قوى الرجعية لا تحتاج دائمًا إلى منع رسمي. أحيانًا يكفي أن تصنع من كل محاولة للتغيير "قضية أخلاقية"، ووقتها تبدأ الاستشاطة على وسائل التواصل الاجتماعي، ويُتَّهم الفنان بأنه تجاوز الحدود. وهكذا يصبح الخوف جزءًا من عملية الاختيار: هل سيغضب الجمهور؟ هل سيتهم العمل بأنه ضد الدين أو الذوق؟ هل الأفضل أن نبتعد عن الفكرة من البداية؟

حين ينتصر هذا الخوف، لا يخسر الفنان وحده. تخسر الصناعة كلها، لأن الفنانين سيتجهون إلى العمل المضمون الآمن، ويعيدون ما تم تقديمه من قبل، وتبقى الأفكار الجديدة حبيسة التردد. لا يولد عمل مهم كل مرة، لكن لا يمكن أن يولد شيء مختلف إذا كان المطلوب من الفنان ألا يخاطر.

منى زكي، مثل أي ممثلة، من حقها أن تختار دورًا صعبًا وأن تخطئ فيه. ومن حق الجمهور أن يرفض الفيلم أو ينتقده بعد مشاهدته. لكن ليس من حق أحد أن يجعل من توقعاته الخاصة معيارًا لما يجوز للفنان أن يقدمه.

الفنان صاحب خيال، والخيال لا يتقدم داخل الحدود التي يرسمها الخوف. يحتاج إلى مساحة يجرب فيها، ويغامر، ويكتشف قدراته، حتى لو لم تنجح كل محاولة. وهذا ما يؤمن به أي فنان في اختياراته، وما ينبغي أن ندافع عنه اليوم.. أن يظل الفنان حرًا في البحث، وأن يظل النقد قادرًا على مناقشة النتيجة، من دون أن يتحول إلى سلطة تمنع التجربة قبل أن تبدأ.

فإذا أردنا فنًا يتطور، فعلينا أن نقبل أن التجريب قد يخطئ. أما إذا أردنا من الفنان أن يضمن رضا الجميع قبل أن يبدأ، فلن نحصل إلا على تكرار متواصل للأدوار والشخصيات والمواضيع، وخيال مبدع تعلم أن يخاف.