زهرة البودي
تابعت أخبار الجونة الأسبوع الماضي كما تابعها كل صانع أفلام في المنطقة، بفرح وبقليل من الغيرة الصامتة. أعلنت سيني جونة جوائز تتجاوز 350 ألف دولار لـ16 مشروعا من أصل 19 تنافست، وأطلق المهرجان مع روتردام مبادرة لدعم صناع الأفلام النازحين. خبر جميل، وأعرف ما يعنيه مبلغ كهذا لمشروع يقف على قدم واحدة. لكني أعرف أيضا السؤال الذي يأتي بعد انتهاء الاحتفال: وبعدين؟
فيلمي «صول» عاش هذه المرحلة. نال جوائز، وسافر إلى عدد كبير من المهرجانات في أربع قارات، ويبث حاليا على منصة MBC شاهد في المنطقة، وصار على SBS في أستراليا. ومع ذلك صنعته بلا شركة إنتاج وبلا حساب مصرفي يتعامل مع العالم، وكان كل عقد توزيع يمر عبر أشخاص أثق بهم يوقعون عني من الخارج. قام الفيلم على دعم قليل وتعب شخصي كبير، وهذا لا يسمى صناعة، يسمى عنادا.
المنح لا غبار عليها. صندوق AFAC يعطي حتى 50 ألف دولار لإنتاج فيلم طويل، لكنه نفسه يشجع المتقدمين على تنويع مصادر التمويل. يعني المنحة تفتح الباب، ويبقى على المخرج أن يجد بقية البيت.
وشركات الإنتاج لا ألومها كثيرا. القنوات تدفع قليلا، والسوق مقسم إلى جزر، والمال يرجع ببطء إن رجع. المخرج المغربي عبد العالي مهدي يتفهم هذا التردد أيضا: «لها إكراهاتها التجارية المشروعة وبحثها عن محتوى يضمن أوسع انتشار. الوثائقي الإبداعي استثمار ثقافي على المدى البعيد، ونحتاج اليوم إلى مزيد من الحوار ومد جسور الثقة بين المبدع والموزع».
والصورة بدأت تتغير، كما يرى الكاتب السعودي عبدالله المحسني: «زاد الاهتمام بالأفلام الوثائقية بعد زيادة إنتاجات نتفلكس، وأصبحنا نرى منصات عربية مثل شاهد وثمانية يزداد اهتمامها بها، بينما كانت مشاهدتها في السابق محصورة بالمهرجانات وبعض المحطات التلفزيونية». لكنه يلفت إلى أن الدعم المالي للوثائقي ما زال أقل منه للروائي، وأن الاهتمام به ليس بالقدر الذي يستحقه.
وفي قائمة جوائز الجونة تفصيل يستحق الانتباه: بيبسيكو وEmirates NBD وروتانا وART قدمت كل منها 10 آلاف دولار، وكثير من الجوائز الأخرى خدمات في المونتاج والصوت والتوزيع. أي أن القطاع الخاص يدفع حين يرى المشاريع منظمة ومعروضة أمامه بوضوح. ما ينقصنا أن يحدث هذا طوال السنة وللوثائقي بالذات، لا في أسبوع المهرجان فقط.
فما الحل؟ يقترح عبد العالي مهدي خطوة واحدة: «تفعيل آلية البيع المسبق من طرف قنواتنا الوطنية. فعندما تصبح القناة شريكة منذ مرحلة الكتابة، يكتسب الملف قوة لفتح آفاق الإنتاج المشترك الدولي، ويتحول الدعم من مصدر وحيد إلى منظومة مستدامة تخدم الجميع». ويضيف المحسني أن المخرجين يحتاجون إلى منصات تشتري حقوق العرض الرقمي، وإلى أن يتسع الوثائقي لمواضيع أكثر تنوعا بعدما اقتصر طلبه طويلا على السياسي والديني.
وأضيف من عندي إنتاجا مشتركا بين عاصمة وأخرى، ومنتجين يفهمون الوثائقي ويحبونه، وجهة تحمل توقيع من لا شركة له.
الموهبة موجودة، والدليل أفلامنا في المهرجانات. ما ينقص هو سوق تحمل هذه الأفلام بعد التصفيق، وإلا بقي كل نجاح قصة فردية تروى ولا تتكرر.


التعليقات
سجّل الدخول للإعجاب أو الحفظ
سجّل الدخول للمشاركة في النقاشلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه.