نور الهدى فؤاد
بعد ساعات من الانتظار، لم يكن على وجه سوزان أي ملمح لمشاعر الاستياء، حتى بعدما تأكدت أن إدوارد لن يحضر موعدهما المتفق عليه، وكأنها تمنت منذ دعوتها له أن يقرر تجاهلها وعدم الحضور كحبة دواء تسكن آلام ضميرها...
ولكن، ما الذي دفعها إلى دعوة زوجها السابق من البداية؟
نختبر في فيلم Nocturnal Animals تشريحًا دقيقًا للحالة الشعورية الداخلية للإنسان تجاه ما يجري بالخارج، فما بالنا لو كان فنانًا يختلف تعاطيه مع مجريات الأحداث عن الإنسان العادي، بل وتختلف معالجته للواقع وطرق التعبير عنه بطرق خلاقة أكثر عمقًا أو تجردًا أو تفسيرية وتعبيرية.
"حيوانات ليلية" فيلم إثارة نفسية ودراما صدر عام 2016، مقتبسًا من رواية "توني وسوزان" للكاتب أوستن رايت الصادرة عام 1993. حظي الفيلم باحتفاء نقدي عالمي واسع تُوج بحصوله على جائزة لجنة التحكيم الكبرى في مهرجان البندقية السينمائي. كما فاز بجائزة الغولدن غلوب وترشيح لجائزة الأوسكار في فئة أفضل ممثل مساعد، إلى جانب هيمنته على ترشيحات جوائز البافتا (BAFTA) بتسعة ترشيحات بارزة شملت أفضل إخراج، وأفضل سيناريو مقتبس، وأفضل تصوير سينمائي وموسيقى تصويرية، مما يؤكد على تكامل عناصره الفنية وقوة تأثيره البصري والنفسي.
يقدم الممثل جيك جيلنهال أحد أفضل أدواره من خلال تجسيدين لشخصية واحدة تمتع خلالهما بالاعتماد على التعابير الانفعالية الحادة في مقابل هدوء وسلام عميق هو أحد أهم سمات الشخصية، بينما تقدم إيمي آدمز أحد أصعب أدوارها، ليس فقط لأنها الشريرة في رواية أحدهم حرفيًا، ولكن لطبيعة الشخصية النقيضة لشخصية جيك؛ فهي شديدة الهدوء والثقة حد الغرور من الخارج والممزقة من الداخل بين ما تدركه عن نفسها ومحيطها بعين الوعي الروحي وحس الفنانة الرقيق بداخلها وبين نزعاتها الأنانية اللاهثة خلف مقومات الحياة البراقة المثالية، وكأن الشخصيتين هما تجسيد لصراع دائر في عالم الفن في حياتنا الواقعية؛ كلاهما فنان حقيقي، لكن أحدهما خُلق بروح فنان نقي مؤمن شغوف بريء، والآخر نحّى تلك المثالية الفنية الراقية في مقابل المال والشهرة.
تعيش سوزان الفنانة التشكيلية المنحدرة من أسرة ثرية حياة مثالية مع زوج وسيم أنيق كما تردد هي عنه، لكنها تبدو معظم الوقت في حالة من التأهب، قلق وتشنج يختبئان خلف الهدوء، يتبدى ذلك في التباين الصارخ بين مظهرها الحاد ومحيطها المنمق وحركتها الميكانيكية وبين شعرها المنسدل عمداً ليغطي نصف وجهها أمام الناس معظم الوقت وكأن النصف المخفي هو جزء خفي من ذاتها أو نواقصها التي تخشى أن تكسر مثاليتها، أو سر ما تخجل أن تواجه به العالم. يغيب عنها زوجها بحجج تكاد تصرخ بخيانته لكنها لا تلاحظ، حتى تكتشف الخيانة لكنها تختار أن يمر الأمر دون حتى أن يدرك هو اكتشافها.
تُصدم سوزان من أحداث رواية طليقها إدوارد المروعة منذ صفحتها الأولى، والتي لا تثير شكوك المشاهد إلا حين نعرف تدريجيًا مع التصاعد المتزامن ما بين أحداث الرواية وذكريات بطلتنا سوزان أنها تخلت عنه وتركته بطريقة مؤلمة كما تصف هي ذاتها الأمر...
إن كاتب السيناريو هنا وهو مخرج العمل أيضًا "توم فورد"، قصد أن يجري على لسان بطلته عدداً من الاعترافات الصريحة، ليس فقط كحجة عليها بينما نحاكمها في أذهاننا مع محاكاة إدوارد لجريمتها في روايته، وكأن الفيلم يخلق محكمة افتراضية ويجعل من مشاهديه هيئة محلفين تراقب التفاصيل وتجمع الأدلة لتصل لقرار عادل، وإنما لرصد احتياج البطلة للتطهر وكأن المشاهد هو أيضاً قس الاعتراف في الكنيسة.
ولذلك تتألم وتئن في صمت إلى حد التلوي في سريرها مع صفحات رواية طليقها إدوارد الذي تتخيله هو ذاته الزوج بطل الرواية، التي تُختطف زوجته وابنته أمام عينيه من مجموعة شباب على الطريق. الزوجة صهباء كحال سوزان بل ويبدأ ظهورها وهي ترفع أنفها بشكل عفوي ولكنه لافت يذكرنا بذات الطريقة التي تعمد فورد أن نلاحظها في سوزان، إذ تبدو رافعة أنفها حتى تنطبع صورتها في الذهن، وتشترك الزوجة مع ابنتهما اليافعة، فهي صهباء جميلة حادة الطبع، تثير غضب الخاطف في البداية برفع إصبعها الأوسط له بعد تعمده التحرش بسيارتهم.
إدوارد الشاب الرقيق الحالم الذي يبدأ حياته كروائي مع تطور علاقته بسوزان إلى مرحلة الزواج، تلك العلاقة التي يختزلها فورد في أربعة مشاهد فقط، فهي ليست خطًا دراميًا فرعيًا ولا زمنًا موازيًا، وإنما هي عنصر مكمل للسردية الرئيسية التي تتخطى السرد القصصي الخطي لما وقع في الماضي بين الزوجين السابقين حتى انفصالهما أو تبيان الأسباب والدوافع والنتائج؛ فالسردية الرئيسية هنا هي فقط مشاعر إدوارد حول الأمر وأثره عليه.
تلك المشاهد الأربعة تكشف عن دواخل سوزان وتكوينها النفسي؛ فهي ابنة لأسرة ثرية يتجلى هذا الثراء في والدتها التي تظهر في المشهد الثاني بملابس وإكسسوارات باذخة إمعانًا في إثبات الثراء وكأنها إحدى أميرات أسرة ملكية من القرن الثامن عشر، مع انتشاء في الحركة ولغة الجسد وانتصاب الظهر. تحاول الأم إثناء سوزان عن الزواج من إدوارد بحجة أنه رقيق ولا يناسب فتاة مثلها، والأم لا تبخل بتفنيد وجهة نظرها، إذ تدلل على رقة إدوارد بحاله بعد وفاة والده، وهنا تكتمل مفارقة تعكس شخصية تلك المرأة مع تذكرنا تعجب إدوارد من رأي سوزان السيئ في والدتها في المشهد الأول؛ فهو يحبها ولا ينسى دورها عقب وفاة والده! كما تعلل الأم انعدام التناسب بين الحبيبين لأن سوزان تشبهها ولن تتحمل أو تكتفي برومانسية إدوارد للاستمرار معه في المستقبل.
وبينما يكمل المشهدان بعضهما البعض وكأنهما قطع بازل تضيف في مساحة صغيرة عناصر مكثفة مركزة من الصورة الكاملة، لا يمكن إغفال تفصيلة شديدة العمق والشمولية، وهو تصريح إدوارد لسوزان في المشهد الأول عن الصفة المشتركة التي طالما لاحظها بينها وبين والدتها، ألا وهي نظرة العين الحزينة، تلك النظرة التي تشي بجوع داخلي عميق لا يمتلئ مع إدراك واعٍ للأم وباطني لسوزان بتلك الهوة؛ ولذلك تكره سوزان أمها وترفض التشبيه بها، ومن غير إدوارد الذي يمكنه ملاحظة ذلك.
وبالعودة للرواية، يبدو الزوج قليل الحيلة، لا يدري ما الذي يجب عليه أن يفعله لينقذ أسرته، وعندما يضلله الخاطف الثالث ويتركه وحده في الخلاء ثم يعاود مع الخاطف الأول، يختبئ إدوارد ويرفض الرد على نداءاتهم ويفضل أن ينكمش على ذاته مستسلمًا لما قد يكون آل إليه أمر زوجته وابنته. ويصف إدوارد تلك اللحظات فيما بعد أمام الشرطة بأنه لا يدري لماذا لم يرد.
وبينما نعرف في لقطة آسرة مصير الاثنين حين يحضر إدوارد مع الشرطي أنديز، فهما عاريتان مستلقيتان على أريكة حمراء مخملية فخمة في الخلاء في سكون تام، يظهر لنا الجزء الخلفي من جسد الفتاة بينما لا نرى وجهها، وبالمقابل نرى وجه الأم فقط ويتأكد الشرطي أنها ميتة.
وبالعودة لذكريات العلاقة بين إدوارد وسوزان، نجد المشهدين الثالث والرابع يشتبكان مع المشاعر التي نحملها من أحداث رواية إدوارد، نشاهد شجارهما الذي يوضح صدق نبوءة والدة سوزان أو بالأحرى تنفيذ الفتاة لتلك النبوءة وكأن عقلها الباطن يريد تحقيق ذلك، بينما يلخص المشهد الرابع ما يحاول إدوارد ترجمته في روايته؛ فهو مشهد مركب يبدأ بحوار سوزان مع حبيبها الذي تخون زوجها معه وهو ذاته الزوج المستقبلي الوسيم، وبينما يحاول التخفيف عن مشاعرها تجاه نفسها بعد عملية إجهاض، تجد إدوارد يراقبها من بعيد وكأنه يعرف كل ما يدور بينهما.
إذاً فسوزان تتلوى في سريرها ألمًا وهي تدرك مغزى الرواية تماماً، بينما تستمر في القراءة حتى النهاية، وكأنه يجلدها دون سوط أو صراخ، وبالرغم من عذابها فإنها مجبرة على التحمل والإكمال...
ذلك المغزى الذي يمكن تلخيصه في أن إدوارد يشبه زواجه من سوزان بالأسرة التي كانت تسير آمنة، قبل أن يطاردها مجموعة من النسخ المنعكسة للطباع المجتمعة في سوزان وعشيقها، فالخاطفون رموز للصفات الوحشية الخبيثة الطامعة لكليهما، وعلى رأسهم الخاطف راي ماركوس الذي يمثل أعمق الغرائز الحيوانية، وكان من الطبيعي أن يختار "فورد" شابًا بالغ الوسامة كالممثل آرون جونسون، فالغرائز الحيوانية الجامحة في صورتها الشريرة لا بد أن تختبئ خلف وجه مثالي يمثل القشرة الخارجية لوسامة العشيق وجمال سوزان وأناقتهما وصورتهما المتحضرة اللامعة المثالية.
ولم يكن اختيار إدوارد للانزواء لسنوات طويلة ثم العودة بهذا الانتقام البارد مجرد مصادفة، بل هو انعكاس دقيق للحدث الجوهري في قلب روايته. فاختباء الزوج البطل في الخلاء بعيدًا عن أعين الخاطفين وعجزه عن تلبية نداءات عائلته لم يكن سوى اعتراف ضمني شديد الصدق من إدوارد نفسه بشعوره المطلق بالعجز والاستسلام في الماضي. لقد وقف عاجزًا أمام سطوة سوزان وقرارها الأحادي بسلبه طفله وحياته معها، فاختار التواري والانكماش كما فعل بطله تمامًا، ليطبخ انتقامه على نار هادئة استغرقت سنوات ليصيغها في صفحات.
وفي رحلة بحث البطل عن العدالة المفقودة، يظهر المحقق "بوبي أنديز"؛ ذلك الضابط المريض المتأهب للموت، والذي يقرر مساعدة الزوج وتجاوز حدود القانون السقيم العاجز عن إدانة المجرمين لعدم كفاية الأدلة. إن هذا المحقق في حقيقته ليس إلا تجسيدًا حيًا لنزعة العدالة القصاصية المدفونة في أعماق إدوارد، ذلك الصوت الداخلي الذي قرر أن يتمرد على قوانين الواقع، مستخدمًا سلاح الكتابة والفن كأداة قاطعة للانتقام والثأر، ليحقق بكلماته عدالة لم يكن يملك شجاعة المطالبة بها في أرض الواقع.
وحين يقرر البطل إنهاء المأساة بيده، وتصفية المجرم في ذات المكان الموحش الذي شهد الجريمة الأولى، فإنه يترجم حرفيًا ما تحدثه سطور الرواية من دمار في نفس سوزان وهي قابعة في عقر دارها. لقد اقتحم إدوارد أسوار قصرها الفاره وعزلتها الباردة ليغتال سلامها الزائف، تمامًا كما أفرغ بطله رصاصاته في صدر مغتصب عائلته، ليجعلها تتجرع نفس مرارة الفقد وانتهاك المساحة الآمنة.
ومع اللفظة الأخيرة للرواية، يسقط البطل صريعًا متأثرًا بجراحه، ليعلن إدوارد من خلال هذا الموت المجازي وفاة ذلك الجزء العاطفي، النقي، والبريء من شخصيته؛ ذلك الشاب الرقيق الحالم الذي طالما استهانت به سوزان وأمها. هذا الموت الرمزي هو التفسير الأمثل والامتداد الطبيعي للواقع، والذي يتجلى في غيابه المتعمد عن لقائها في المشهد الختامي.
إن جلوس سوزان وحيدة في ذلك المطعم الراقي بانتظار طيف لن يأتي، هو تتويج لانتقامه، وإعلان صريح بأن الرجل الذي عرفته ودمرته ذات يوم قد مات تمامًا، وأن الفراغ البارد الذي تركه لها على تلك الطاولة هو كل ما تستحقه منه.
التعليقات
سجّل الدخول للإعجاب أو الحفظ
سجّل الدخول للمشاركة في النقاشلا توجد تعليقات بعد. كن أول من يشارك رأيه.